محمد داوود قيصري رومي
542
شرح فصوص الحكم
و ( التقديس ) بحسب مقام الجمع والتفصيل ليكون أكثر كمية ، ولهذا قيل : إن تنزيه نوح ، عليه السلام ، تنزيه عقلي وتنزيه إدريس ، عليه السلام ، تنزيه عقلي ونفسي . ولما كانت هذه الحكمة مناسبة للحكمة المتقدمة معنى ومرتبة ، جعلها يليها وخصصها بإدريس ، عليه السلام ، لأجل تطهير نفسه ، عليه السلام ، بالرياضة الشاقة وتقديسه عن الصفات الحيوانية ، حتى غلبت روحانيته على حيوانيته ، فصار كثير الانسلاخ عن البدن ، وصاحب المعراج ، وخالط الأرواح والملائكة المجردة . وقيل : لم ينم ستة عشر عاما ولم يأكل حتى بقي عقلا مجردا . ( العلو نسبتان : علو مكان وعلو مكانة . فعلو المكان : ( ورفعناه مكانا عليا ) ) . لما جاء في بيان مرتبته : ( ورفعناه مكانا عليا ) وكان نتيجة التقديس العلو عن كل شئ وبه يتميز عن التسبيح ، خص ( رض ) الفص بتحقيقه وشرع في بيان العلو ، وقسمه بعلو المكان وعلو المكانة ، أي ، المرتبة . وبإزائه يكون السفل منقسما بالسفل المكاني كالمركز ، والمكانة كمرتبة المشركين الذين هم أسفل السافلين . ولما كان العلو نسبة من النسب ومنقسما بقسمين ، قال : ( العلو نسبتان ) . كأنه قال : العلو علوان . أو يكون تقديره العلو له نسبتان : علو مكان وعلو مكانة . ( وأعلى الأمكنة المكان الذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشمس ، وفيه مقام روحانية إدريس ، عليه السلام ) . واعلم ، أن أعلى الأمكنة جهة هو العرش المحدد للجهات . وإنما جعل فلك الشمس أعلى الأمكنة باعتبار أنه قلب الأفلاك ووسطه وعليه مدار عالم الأفلاك ، لا بمعنى أنه مركز عليه دوران الأفلاك ، بل كما يقال على القلب مدار البدن ، أي ، منه يصل الفيض إلى جميع البدن . أي ، فمن روحانيته يصل الفيض إلى الأفلاك جميعا ، كما أن من كوكبه تتنور الأفلاك جميعا . وبه يرتبط الكواكب ارتباط الولاة بالسلطان . وإن كان لكل منها روحانية خاصة ، يستفيض من الجناب الإلهي الفيض الخاص به ، كما أن لكل نفس من النفوس فيضا خاصا من جهة عينه التي لا واسطة بينها وبين الحق ، وفيضا عاما بواسطة العقل الأول والنفس الكلية وباقي روحانيات